أحمد بن محمد مسكويه الرازي

76

تجارب الأمم

الله المأمون ببغداد [ 85 ] وحبس محمد في قصر أبى جعفر مع أمّ جعفر بنت جعفر بن أبي جعفر وهي زبيدة . ذكر السبب في ذلك لمّا توفّى عبد الملك بن صالح بالرقّة نادى الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان في الجند ، فصيّر الرجّالة في السفن والفرسان في الظهر ، ووصلهم وقوّى ضعفاءهم ، ثمّ حملهم حتّى أخرجهم من بلاد الجزيرة وذلك في سنة ستّ وتسعين ومائة . فلمّا وصلوا إلى بغداد تلقّاه الأبناء بالتكرمة والتعظيم ، وضربوا له القباب واستقبله الرؤساء وأهل الشرف ودخل منزله في أفضل كرامة وأحسن هيئة . فلمّا كان في جوف الليل بعث إليه محمد يأمره بالركوب إليه ، فقال للرسول : - « ما [ 1 ] أنا بمغنّ ولا مضحك ولا صاحب خسارة [ 2 ] ولا جرى له على يدي مال ولا وليت له ولاية ، فلاىّ شيء يريدني في هذه الساعة ؟ أنصرف ، فإذا أصبحت غدوت إليه إن شاء الله . » فانصرف الرسول وأصبح الحسين ، فوافى باب الجسر واجتمع إليه الناس ، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى قصر عبيد الله بن علىّ وباب سوق يحيى . ثمّ قال : - « يا معشر [ 86 ] الأبناء ، اسمعوا منّى أنّ خلافة الله لا تجاوز بالبطر ، ونعمه لا تستصحب بالتجبّر ، وأنّ محمدا يريد أن يوقع أديانكم وينكث بيعتكم ، وهو صاحب الزواقيل بالأمس ، أراد أن ينقل عزّكم ، إلى غيركم وباللَّه لئن طالت به مدّة ليرجعنّ وبال ذلك عليكم . فاقطعوا أثره قبل أن يقطع

--> [ 1 ] . في آ : والله ما أنا . . [ 2 ] . كذا في الأصل : خسارة . في آ : جسارة .